محمد أحمد خلف الله

83

الفن القصصي في القرآن الكريم

خوف موسى فمرة اكتفى بقوله خُذْها وَلا تَخَفْ « 1 » ومرة أخرى قال فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ « 2 » . وهكذا في غيرهما من المواقف كتعبيره بالرجفة مرة وبالصيحة أخرى والطاغية في غيرهما وكتعبيره في انشقاق الحجر عن الماء في قصة موسى فانفجرت مرة وانبجست أخرى وهكذا من المسائل التي جعلتهم يعدون القصص القرآني من المتشابه وليس من شك عندي في أن الاختلاف كان نتيجة تغيّر في القصد أو الموقف وأن هذا التغيّر جعل هذه قصة وتلك قصة وما نرى من إختلاف ليس إلا الصور الأدبية التي تلائم المقاصد والأغراض . ( 6 ) وجود مواقف جديدة لم تحدث بعد في سياق القصة التي تصوّر أحداثا وقعت وانتهت ومن ذلك قوله في سورة الأعراف الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ « 3 » وذلك في سياق القصة التي تصوّر موسى واختياره للسبعين رجلا وتوجّهه إلى اللّه ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه من قوله تعالى وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ « 4 » فليس من شك أن اليهود ينكرون رسالة عيسى ومن أجل ذلك قتلوه . فهم لم يقولوا هذا القول وإنما أنطقهم به القرآن . ومن قوله تعالى في آخر سورة المائدة وصفا لموقف في الآخرة وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . « 5 » إلخ . فإن هذا القول وهذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد بل لعله لن يحدث إذ القصد منه كما سبق أن ذكرنا التأثير على المعاصرين لمحمد عليه السلام والعمل على تنفيرهم من عبادته وعبادة أمه عليهما السلام . ومثل ذلك الموقف أو قريب منه ما عرض له القرآن من حديث عن الجن في أثناء

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية 21 . ( 2 ) سورة النمل ، الآية 10 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 157 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية 157 . ( 5 ) سورة المائدة ، الآية 116 .